دراسة فقهية حول الهدنة
وعدم استخدام القوة في العلاقات الدولية
الشيخ مرتضي الترابي
من الموضوعات المهمة في القانون الدولي العام قضية المعاهدات الدولية ، سيّما المعاهدات بشأن الامتناع عن الحرب وعدم استخدام القوة ، سواء المعاهدات التي تنعقد بين دولتين أو التي تشمل أكثر دول العالم أو كلّها .
وهذه المعاهدات الدولية من ناحية الفقه الوضعي تنشأ من إرادة الدول في إطار العرف العام ومقتضيات الزمان . ولاشك إنه من منظار الإسلام لابدّ أن تكون مبتنية علي اُصول وأحكام الإسلام .
يمكن دراسة الأحكام المرتبطة بالعقود والمعاهدات الدولية المنعقدة بين المسلمين وغيرهم في الفقه الإسلامي تحت العناوين التالية :
أ : العقود المعيّنة كعقد الهدنة ، عقد الأمان ، عقد الذمّة التي يبحث عنها في كتاب الجهاد .
ب : الأحكام والقواعد العامة للعقود التي يناقشها الفقهاء في كتاب البيع ، وفي البحث عن الخيارات وأحكام الشروط ونحوها .
ج : القواعد والأحكام المتعلّقة بالكفّار ، نظير : قاعدة عدم احترام الكافر
إتجه القانون الوضعي في القرن الأخير نحو حظر استخدام القوة وتحريم الحرب مطلقا وقد انعقدت فيه معاهدات وإتفاقيات مختلفة علي المستويين الأقليمي والدولي . يمكن دراستها في حقلين :
أ : المعاهدات والمواثيق الشاملة : ١ ـ ميثاق عصبة الأمم بدأت عصبة الأمم أعمالها بعد إنتهاء الحرب العالمية الأولي وتوقيع معاهدة فرساي ( ١٩١٩ ) منذ ١٦ يناير / كانون الثاني ١٩٢٠ م بعضوية ٤٥ عضواً أصلياً The Peace Treaty of Versailles ( June ٢٨, ١٩١٩ ) . تعهد الأعضاء من خلاله على عدم استخدام القوات المسلحة وعدم شن الحرب إلا في الموارد الخاصة المحددة في الميثاق . انحل الميثاق بقرار من الجمعية العامة للعصبة في جنيف في اجتماعها المورخ ١٨ آبريل / نيسان ١٩٤٦ م وحلت مكانها منظمة دولية جديدة سميت بمنظمة الأمم المتحدة . ٢ ـ ميثاق برياند ـ كلوك KELLOGG-BRIAND PACT قد أعدّ هذا الميثاق برياند وكلوك وزيرا خارجية فرنسا وأمريكا آنذاك وتم توقيعه من قبل ١٥ دولة بتاريخ ٢٧ اغسطس / آب ١٩٢٨ م وبدأ سريان مفعوله ابتداء من تاريخ ٢٤ يونيو/ حزيران ١٩٢٩ م . ووصل عدد الموقعين عليه إلي ٦٣ دولة سنة ١٩٣٨ م . تمت الموافقة بموجبه علي منع الحرب منعا شاملا بين أطراف المعاهدة ، ولذلك يمتاز هذا الميثاق من هذه الجهة عن ميثاق عصبة الاُمم الذي كان يبيح بعض أنواع الحرب . راجع حقوق جنگ ] = قانون الحرب [ ، محمد رضا بيگدلي ، طهران : ١٤ . ٣ ـ ميثاق منظمة الاُمم المتحدة لقد كان هذا الميثاق أساسا لتأسيس منظمة الأمم المتحدة وهو أهم وثيقة دولية شاملة في العصر الحاضر . حيث تمت الموافقة والتصديق عليه في مؤتمر سانفرانسيسكو الذي انعقد بمشاركة ممثلين عن خمسين دولة في ٢٥ آبريل / نيسان واستمرت أعماله إلي ٢٤ اكتوبر ١٩٤٥ م . واعتبر ساري المفعول منذ ٢٤ اكتوبر بنفس العام . إن ميثاق منظمة الاُمم المتحدة يشمل مقدمة و ١١١ مادة وملحقا في ٧٠ مادة يتعلق بالنظام الأساسي بمحكمة العدل الدولية . وقد التحق حتي اليوم ١٩١ دولة إلي منظمة الاُمم المتحدة . وعلي خلاف ميثاق برياند ـ كلوك الذي اكتفي بحظر اللجوء إلي النزاع المسلح ، فإنّ ميثاق الاُمم المتحدة قد أخذ بعين الإعتبار منع استخدام القوة بصورة مطلقة وألزم أعضاء الأمم المتحدة بعدم استخدام القوة في العلاقات الدولية وتجنب تهديد وحدة التراب والإستقلال السياسي لأي دولة من الدول ، بل والإمتناع من كل عمل يكون مغاير لأهداف الأمم المتحدة . ( بند ٤ من مادة ٢ ) ٤ ـ معاهدة فينا حول قانون المعاهدات هذه المعاهدة تم الموافقة عليها في تاريخ ٢٣ مايو ١٩٦٩ م . والمادة ٥٢ من هذه المعاهدة تنص علي أنّه لو أجبرت دولة طرفا لتوقيع عقد يكون ذلك العقد باطلا إذا كان استخدام القوة ناقضاً لأصول الحقوق الدولية المندرج في ميثاق الاُمم المتحدة . ب . المعاهدات المحدودة : المعاهدات الأقليمية بشأن عدم استخدام القوة وحظر النزاعات المسلحة كثيرة في القرن الأخير وأهمها ما يلي : ١ ـ معاهدات لوكارنو . ٢ ـ ميثاق جامعة الدول العربية . ٣ ـ الحلف الأطلسي الشمالي ] = الناتو [ ( ٤ آبريل ١٩٤٩ م ) . ٤ ـ حلف وارشو ( ١٤ مايو ١٩٥٥ م ) . ٥ ـ معاهدات عدم استخدام القوة بين ألمانيا الإتحادية والإتحاد السوفيتي السابق وبولونيا ( ٢ يونيو ١٩٧٢ م ) . ٦ ـ قرارات الدول الأمريكية . مشكلة عدم وجود معاهدة عالمية عامة كما لاحظنا فإنّ ميثاق الاُمم المتحدة هو أهم وثيقة دولية شاملة في مجال تحديد اللجوء إلي القوة ولكنه لم يدون بشكل معاهدة ، بل علي نسق الدساتير التي تنظم مباديء القوانين الداخلية في الدول المختلفة ؛ ولذلك لايترتب عليه آثار المعاهدات ونتائجها . ولذا فإن عدم وجود معاهدة في هذا المجال يعتبر من المشاكل التي تعاني منها العلاقات الدولية ولعلّ قرار الجمعية العامة للاُمم المتحدة المرقم ١ / ٣٩ الذي جاء إثر اقتراح الإتحاد السوفيتي السابق لعب دورا في التعويض عن هذا النقص ، إذ لوحظ فيه ضرورة دراسة معاهدة عالمية في مجال عدم استخدام القوة . إضافة إلي ذلك فقد ملأت هذا الفراغ إلي درجة ما معاهدات اقليمة مختلفة كمعاهدة جامعة الدول العربية ، حلف الأطلسي وغيرهما وكذلك مواثيق دولية شاملة كمعاهدة برياند ـ كلوك والمواثيق المختلفة حول قوانين الحرب كالمعاهدات المتعلقة بمنع انتشار الأسلحة النووية والكيمياوية والمواثيق المتعلقة بحفظ الآثار التاريخية والثقافية وكيفية التعامل مع الأسرى وغير ذلك .